Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

أقمار الضواحي أم شموس الدراما؟

د.عبد اللطيف البوني

 

صحوا على حلم راجع،

 يرسموا في الفضاء الشاسع ،

 يحلموا بوطن واسع

إن لم تخني الذاكرة ، في رمضان الماضى ، أوقبله بقليل، أفقت من أمر كان يستغرقني وأنا في معقد الحافلة المتجهه من الخرطوم إلى الجزيرة، ربما كان ذلك الأمر مطالعة صحيفة أو مجلة أو متابعة شريط كاسيت غنائي، أو سبات عميق ، أو ربما تفكير في محنة من محن الدنيا المهم في الامر عندما افقت لاحظت وجود الاستاذ الممثل القدير حسن يوسف(سيد جرسة) معنا بالحافلة ، وهو يجلس في مقعد من مقاعد (النص) على مقربة مني، ومقعد النص من المقاعد  غير المريحة في الحافلة ، ولديّ قصة قد تكون طريفة مع الأخ حسن ، فقد حكى قبل عدة سنوات إنه رأى في المنام إنني قد (أتلحست) أي انتقلت الى الرفيق الأعلى ، وقد وصف لي مشهد العزاء والمأتم، فحولت حلم حسن الى واقع في مخيلتي، وكتبت مقالاً في عمود (حاطب ليل) بالرأي العام الغراء تحت عنوان(آل البوني يشكرون).شكرت فيه كل الذين رآهم حسن في مأتمي، بدءاً برئاسة الجمهورية ووزارة الثقافة والإعلام وبيت الثقافة وقراء العمود ، وعتبت على الذين تجاهلوا ذهابي للدار الآخرة وفي مقدمتهم رئيس المجلس الوطني آنذاك ، خاصة وانه من أبناء الجزيرة، ولكن الآن ورغم إنه لم يدخر أهله بالجزيرة ليوم كريه، فإنني أدعو من كل قلبي أن يفك الله أسره ويقيل عثرته ، لا لشيء إلا لأنه "بلديات".

عودة إلى موضوعنا، فبعد أن سالمت حسن "حق الله بق الله" سألته عن سبب وجوده في الحافلة فأخبرني بأنه ذاهب إلي ود راوة – ودراوة هذه قرية بمحلية مدينة شرق النيل الأزرق – لأنهم يعملون في تصوير مسلسل تلفزيوني تنتجه وكالة قناة الخرطوم للإعلان ، دعوت الاستاذ لتشريفنا بزيارة طالما إنه بالجزيرة، ولكنه لم يفعل رغم وعده.فنسيت أمر المسلسل من يومها إلى أن شاهدت فى مقدمة مسلسل سوداني بدأ عرضه قبيل عيد الأضحي الماضي صورة حسن يوسف، وشكر لآهالي ودراوة ، فتذكرت تلك الرحلة.ذلكم هو مسلسل "أقمار الضواحي" الذي يعرض الآن في تلفزيون السودان.

لقد جاء هذا المسلس بعد المسلسل المصري الداوي"سوق العصر" ذاك المسلسل الذي قيل إنه محاولة للرد على "ليالي الحلمية" التي انصفت عبد الناصر، إذ أن "سوق العصر"كان هجوماً قاسياً على ثورة يوليو، وقد حظي"سوق العصر"بمتابعة عالية رغم إنه لم يكن في عظمة وموضوعية "ليالي الحلمية" ورغم إن حلقاته الأخيرة ترهلت وأدقت في الرمزية.وكان طبيعياً أن يقابل المسلسل السوداني الذي اعقبه بشيء من النفور، ولكنني جلست أمام الشاشة وحيداً دون أفراد الأسرة لأن مقابلة حسن يوسف في ذلك اليوم أوجدت علاقة خاصة بيني وبين ذلك العمل.

منذ الحلقة الأولى شعرت شعرت بأنني أمام عمل غير عادي، وتأكد احساسي وبعد الحلقة الثالثة فدعوت أفراد أسرتي لمتابعة المسلسل لأنهم سوف يندمون لاحقاً إنهم لم يشاهدوا الحلقات الأوائل، فمنهم من استجاب ومنهم من تعلل بالامتحانات، ومن المستجيبين من جذبته أغنية المقدمة التي يؤديها الفنان محمود عبد العزيز بصوته القوي المتميز، بالفعل لقد كانت كلمات الأغنية معبرة، لحنها رائع، كشفت أبعاداً جديده لصوت محمود..وبعيدا عن هذا العمل الدرامي فهذه الأغنية من أروع ما غني محمود، وهي بمثابة فتح جديد له،وقد سبق لى أن قلت للفنان محمود ومن خلال التلفزيون عندما استضافنا وصديقيَّ العزيزين"عثمان ميرغني وزهير السراج" مع محمود عبد العزيز، فى نهار عيد الأضحى قبل الماضي، قلت له انك يا محمود فى حاجه الى مجموعة اصدقاء تساعده في اختيار الكلمات واللحان لأنك تملك صوتاً غير عادي، وأتمنى الآن أن تغير أغنية مقدمة مسلسل"أقمار الضواحي" مسيرة هذا الشاب الواعد.

وفي ورشة عن الدراما السودانية قلت في مداخلة لي " لا سبيل لتطور الدراما التلفزيونية في السودان إلا إذا اعتمدت على الدراما الإذاعية ففي الإذعة لدينا إرث درامي سوداني خالص"وطالبت بانتاج مسلسلات اذاعية مثل خطوبة "سهير" "والحيطة المائله" و"قطار الهم" و"المقاصيف" و"الارض الحمراء" تلفزيونيا. وقد بدا لي إن " أقمار الضواحي" أثبت صحة ما ذهبت اليه، فالاستاذ عبد الناصر الطائف كاتب دراما إذاعية من الطراز الأول هو وصديقه أنس أحمد عبد المحمود "عربسات" كما يطلق عليهما وقد أخبرني بذلك الأستاذ محمد السني دفع الله بعد بأن إلى المجموعة ، إذ راني فى وضع يسمح له بذلك، وأنني اجزم بأن عبد الناصر قد كتب المسلسل بنفس روح الاذاعة ثم حوله الأستاذ قاسم ابو زيد الذي استطاع ، وبقدرة فائقة أن يعطي الكاميرا راحتها واخضاع الكثير من الرموز الكلامية وتحويلها الى مشاهد يفهمها المتابع ولو بدرجات متفاوتة.

إن مسلسل "أقمار الضواحي" الذي اختار شريحة المعلمين واستطاع بهم أن يعكس الواقع الاجتماعي المذري الذي نعيشه الآن فليست المدارس وحدها التي تدهورت حالتها بل مجمل حياتنا أصابها البوار، فالمعلمون يشيرون للطبقة الوسطى التي انهارت واصبحت فى خبر كان، فأحدهم ترك المهنة وأصبح مرابياً يبيع ويشتري حتى في الأجزاء الآدمية وأحدهم باع كليته وتحول الى كاوبوي وآخر أصبح صوفيا زاهداً، وأحدهم رفضته زميلته حتى لا يجتمع فقرها مع فقره، وآخر رفضته محبوبته واختارت المرابي، ومن حمد منهم تعرض لقسوة معاملة تاجر القرية "الذاكي" وهو من بطانة عباس رمز الظلم والجسور الذى اعتمد على عضلاته تارة، وعلى تدبيرة تارة اخرى، وبامقارنه مع الزين فى قصة  الطيب صالح"عرس الزين" فإننا نجد فى "أقمار الضواحي" تطوراً لتلك الشخصية ممثلاً في "فياض" و"زلابية" و"شبانة" واعجبني جداً استخدام المخرج للنيل وشاطيء النيل، فقد استخرج منه دررا درامية بصورة لم تحدث في عمل درامي تلفزيوني من قبل.

لست هنا بصدد تناول "أقمار الضواحي"تناولاً نقدياً، بقدر ما إنني أود أن أشرك القارىء في بعض انطباعاتي عن هذا العمل الدرامي العظيم..وقد اتناوله لاحقاً "إذا أمد الله فى الأيام" بصورة نقدية رغم إنني لست متخصصاً في مجال النقد، لا سيما وانني أكتب هذا المقال بعد مشاهدة الحلقة الثانية والعشرين، أي لم يكتمل بعد، ولكن الانبهار والدهشة غلباني فلم انتظر اكتمال حلقاته.

إن كان لي أن أصف هذا المسلسل بصفة شاملة ، فأنني أقول إنه مسلسل سوداني 100%"كامل الدسم" وإن جاز لي أن اضعه في مجموعة فأنني أضيف اليه مسلسل "دكين" و"طائر الشفق الغريب" وربما كانت هنالك اعمال أخرى لم تتوفر لي فرصة مشاهدتها ، فألف مليون تحية  لـ"عبد الناصر وقاسم " وتحية خاصة لصديقي حسن يوسف "كديسة"عباس الرياحي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ارسل مشاركتك هنا

بسم الله الرحمن الرحيم